ابن تيميه
148
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فصل [ مذهب السلف في زيارة قبره صلى اللّه عليه وسلّم ] وأما ما ذكره من تضافر النقول عن السلف بالحضّ على ذلك وإطباق الناس عليه قولا وعملا . فيقال : الذي اتفق عليه السلف والخلف وجاءت به الأحاديث الصحيحة هو السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه في مسجده وطلب الوسيلة له وغير ذلك مما أمر اللّه به ورسوله ، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين سلفهم وخلفهم وهذا هو مراد العلماء الذين قالوا إنه يستحبّ السفر إلى زيارة قبر نبينا صلى اللّه عليه وسلّم ، فإن مرادهم بالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده ، وذكروا في مناسك الحج أنه يستحب زيارة قبره ، وهذا هو مراد من ذكر الإجماع على ذلك ، كما ذكر القاضي عياض قال : « وزيارة قبره سنة بين المسلمين مجمع عليها ، وفضيلة مرغب فيها » . فمرادهم الزيارة التي بيّنوها وشرحوها كما ذكر القاضي عياض في هذا الفصل ؛ فصل زيارة قبره ، وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه : ومما لم يزل من شأن من حجّ المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلّم والتبرك برؤية روضته ، ومنبره ، وقبره ، ومجلسه ، وملامس يديه ، ومواطئ قدميه ، والعمود الذي كان يستند إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه ، وبمن عمره وقصده من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ، والاعتبار بذلك كله . قلت : وذلك أن لفظ زيارة قبره ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره ، فإن قبر غيره يوصل إليه ويجلس عنده ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة وبدعة ، وأما هو صلى اللّه عليه وسلّم فلا سبيل لأحد يصل إلى مسجده أن يدخل بيته ولا يصل إلى قبره ، بل دفنوه في بيته بخلاف غيره ، فإنهم دفنوا في الصحراء . كما في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال في مرض موته : « لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذّر ما فعلوا ، قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره . ولكن خشي أن يتّخذ مسجدا ، فدفن في بيته لئلا يتخذ قبره مسجدا ولا عيدا ولا وثنا . فإن في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح ، عن عبد اللّه بن نافع ، أخبرني ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم :